عربي ودوليمحلي

وول ستريت جورنال: الانسحاب الأمريكي من العراق ترك بلداً يعج بالميليشيات ومحفوفاً بمخاطر الحرب المفتوحة مع إيران

بغداد — بعد أكثر من 23 عاماً وإنفاق يُقدَّر بنحو 1.7 تريليون دولار، أغلقت الولايات المتحدة آخر قاعدة عسكرية رئيسية لها في العراق يوم الأربعاء 30 أيلول/سبتمبر 2026، منهية بذلك ما وصفه منتقدون بـ«حرب لا تنتهي». غير أن تقرير «وول ستريت جورنال» يرسم صورة مختلفة عن الاحتفالات الرسمية: انسحاب يترك دولة ما زالت تعج بعشرات آلاف المقاتلين خارج السيطرة الكاملة للدولة، وفي لحظة تتقاطع فيها سيادة بغداد مع حرب واشنطن المفتوحة ضد طهران.

بحسب الصحيفة، جاء الخروج تنفيذاً لاتفاق أبرمته إدارة الرئيس السابق جو بايدن مع رئيس وزراء عراقي سابق يقضي بإنهاء المهمة العسكرية بحلول 2026. ونفّذت إدارة الرئيس دونالد ترامب الموعد رغم تصعيد الحرب مع إيران منذ شباط/فبراير، في وقت تؤكد واشنطن أنها ستحتفظ بقدرات استخباراتية ومراقبة في المنطقة، وبوجود بحري لحماية البعثات الدبلوماسية، إلى جانب متعاقدين لصيانة مقاتلات «إف-16» ودبابات أمريكية الصنع. وقال مسؤول أمريكي رفيع إن بلاده أوضحت لبغداد أن الحفاظ على السيادة ومنع هجمات الميليشيات المدعومة من إيران انطلاقاً من الأراضي العراقية «أمر بالغ الأهمية».

التقرير يشير إلى أن الميليشيات الموالية لإيران لم تكن جديدة على المشهد العراقي، لكنها تلقت دعماً متجدداً بعد بدء الحملة الجوية الأمريكية على إيران. وبحسب مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين وخبراء دفاع، تباطأ تدفق الأسلحة الصغيرة والمسيّرات والصواريخ قصيرة المدى في الأشهر الأولى بينما كانت طهران منشغلة بالقتال المباشر، ثم تسارع مجدداً في الصيف. وتحدثت مصادر عن هجمات أحدث استخدمت صواريخ ومسيّرات أبعد مدى، في إشارة إلى ترقية تسليحية مقلقة. ومن ذلك هجوم مسيّرة قالت السعودية إنه انطلق من العراق قرب الحدود مع إيران وأدى إلى إغلاق مؤقت لخط أنابيب النفط الشرقي-الغربي، شرياناً بات أكثر حيوية بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز.

كانت بغداد قد ربطت في الأصل موعد الانسحاب بمهلة لنزع سلاح الفصائل. لكن الطلب الرسمي بتسليم عشرات الآلاف من المقاتلين أسلحتهم لم يكتمل. قال المتحدث باسم الجيش العراقي اللواء سعد معن إن بعض الفصائل سلّمت سلاحها وأخرى تعتزم ذلك، في حين مدّد رئيس الوزراء علي فالح الزيدي المهلة إلى حزيران/يونيو 2027 بعد رفض فصائل نافذة مدعومة من إيران أو وضعها شروطاً يصعب تلبيتها. وتعوّل إدارة ترامب على الزيدي لإتمام هذه المهمة، في بلد لا تزال فيه فصائل الحشد الشعبي شبكات مسلحة موازية ذات نفوذ سياسي واقتصادي.

على الأرض، اختلط الاحتفال بالقلق. إيران وحلفاؤها قدّموا الرحيل انتصاراً لـ«محور المقاومة»، ووصف قيادي في «المقاومة الإسلامية في العراق» الخطوة بأنها «هزيمة ساحقة للمشروع الأمريكي». في المقابل، حذّر محللون ومسؤولون أمنيون عراقيون من أن غياب الوجود الغربي قد يمنح الوكلاء مزيداً من الجرأة للتغلغل في مؤسسات الدولة، ويفتح ثغرات قد يستغلها تنظيم الدولة الإسلامية الذي ما زال يحتفظ بخلايا نائمة، بعد تجربة 2014 حين انهار الجيش العراقي أمام سقوط الموصل. أما إقليم كردستان فيتخوّف من سحب منظومات الدفاع الجوي، بعد موجات مسيّرات وصواريخ تزامنت مع الحرب الإقليمية.

خلاصة تقرير «وول ستريت جورنال» أن نهاية الوجود العسكري القتالي لا تعني نهاية المخاطر: العراق يخرج من حقبة الاحتلال والتدخل إلى اختبار أصعب، وهو فرض احتكار السلاح بيد الدولة بينما تشتعل حرب أمريكا مع إيران على حدوده، وتتدفق الأسلحة والمسيّرات إلى فصائل لم تسلّم بعد قرار الحرب والسلم.

عبدالله عقرباوي

محرر في الأحداث العراقية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى